.
.
الاثنين, 02 نوفمبر, 2009
في غضبٍ هادر، وخطوات واسعة، اجتاز الفتى مدخل ذلك المقهى الذي اعتادا ارتياده من أن تعارفا..
وهناك.. داخل رأسه.. تجمعت مئات الأفكار، وتردد صداها حتى كادت تخرج من بين شفتيه، نعم.. فاليوم لابد أن أواجه خوفي وترددي، اليوم لابد أن أعرف حقيقة ما يتردد همسا عنها.. لم أعد احتمل أن أشعر بهم يتهامسون عني في الخفاء، لم أعد أتحمل نظراتهم التي باتت تخترقني كسهام من نار، اليوم لابد أن أعرف حقيقة ما يقال عن تأخرها يوميا حتى ساعات الصباح الأولى، وعن الشائعات التي تنتشر عن رؤيتها مع شاب يملك سيارة فارهة، وعن صديقاتها ذوات السمعة السيئة اللاتي يرونها معهن بشكل شبه دائم..
دارت عيناه داخل رأسه وهو يتفحص المقهى بحثا عنها، وانتفض قلبها في عنف حينما وقعت عيناه عليها، في أبهى حللها وأجمل صورها، في ذلك الرداء الأسود الذي ضاق حتى كاد يبرز كل مفاتنها، وتبرجها الرقيق الذي التحم بملامحها البريئة ليجعلها فاتنة، بل آسرة، طاغية الجمال..
تبخر كل غضبه حين رآها، وصرخ قلبه في هدير مرعب أنه لا يمكن لرمز البراءة في الأرض أن يخون.. أسكته عقله في تأني وتعقل بأنه لن يخسر شيئا إذا استفسر..
وتعجل الخطى نحوها، ومدت يدها لتسلم عليه، فسرت في عروقه رسائل حب عذرية حين مس يدها، واقترب فجلس وقد بلغ التوتر منه مبلغه، وصمت برهة، وأخرى، وأخرى وأخرى وأخرى، قبل أن تقطع صمته قائلة:
- مالك يا حبيبي؟!!..
أذابته رقتها، ونعمة صوتها، حتى أنه كاد يقفز فرحا ليعلن للناس أنه يهوى أجمل من علي الأرض جميعا.. ولكنه استجمع شتات نفسه واستلزم الأمر منه بضع دقائق حتى ينظم أفكاره، قبل أن تقطع أفكاره مرة أخرى وهي تحتضن يده في عذوبة مكررة:
- مالك يا حبيبي؟!!.. فيه أيه؟؟.
التقط نفسا عميقا وزفره في توتر شديد، ثم قال وقد ارتعش جسده:
- أيه اللي بيرجعك كل يوم وش الصبح؟؟.
باغتها سؤاله، فارتدت كالمصعوقة، ثم فغرت فاها محاولة قول شيء، إلا أنه استطرد قائلا وقد احتلت الحدة محل التوتر:
- مين الشاب اللي انتي بتخرجي معاه؟؟؟
لوّحت بيدها في حدة أكبر وهي تقول:
- أيه ده.. أيه ده!!.. مين اللي قالك الكلام الفارغ ده؟؟.
أجاب في سرعة وكأنه يزيح عن كاهله حمل ثقيل:
الناس يا هانم.. الناس.. عندك مبرر مقنع للكلام الفارغ ده!!..
مدت يدها في سرعة تلتقط حقيبتها وهاتفها، ثم قالت وهي تهب واقفة:
- خللي الناس تقولك علي مبرر مقنع..
وأشاحت بوجهها وهي تمضي في سرعة، وتابعها ببصره للحظات وهو يشعر أن أقل ما يمكن أن يوصف به هو الغباء التام، فها هو عمر بأكمله وحب لعقد كامل يضيع إلي الأبد، ماذا فعل؟!!.
لقد تطور الحوار بإطراد مفاجئ، ولم يكن يريده أن ينتهي بمثل هذه السرعة..
هب واقفا هو الآخر ليلحق بها وأمسك بيدها قبل أن يديرها تجاهه، ورآها وقد أغرورقت عيناها بحبات من لؤلؤ زادها جمالا وبريقا.. أفلتت يده في تحد ورمقته بنظرة عتاب وهي تقول بصوت متهدج:
- سيبني، أنت عايز مني أيه؟؟
أنهار تماما مع هذه النظرة، وأقسمت كل ثناياه جسده علي الاعتذار ولو كلفه كرامته، فقال في لين:
- أنا آسف.. أنا فعلا آسف.. أرجوكي سامحيني..
أطلقت لدموعها العنان، ودفنت وجهها بين راحتيها لتخبئ ضعفها، وهنا أدرك أن كل ما كان يقال ليس أكثر من مجرد افتراءات، فتلك البراءة لا يخرج منها إلا البراءة، ومد يده ليمسك كفها في حنان ويضمها إليه في حب صادق حقيقي، جعلها تهتف من بين دموعها:
- أنا بحبك.. أزاي ممكن تتخيل إني أخونك أو إني....
لم تستطع أن تكمل، فألقت برأسها علي كتفه وهي تجهش بالبكاء، فمسح علي رأسها وهو يقول مهدئا:
أنا عارف.. أنا فعلا آسف، أنا غلطان..
اعتدلت ونظرت إليه في حنو، فمد يده ليمسح دموعها، ثم فرك يديه ومسح بهما علي ملابسه وكأنه يضع عطرا، فنظرت إليه في تعجب قبل أن تنفجر ضاحكة، وضحك هو الآخر وظلا يضحكان لدقائق، قبل أن تقول في دلال:
- هتيجي توصلني ولا آخد تاكسي؟!.
حاول أن يهز رأسه موافقا، ولكنها استدركت في سخرية:
- لأ.. تعالى وصلنى أحسن ما أرجع بيتنا وش الصبح..
أجاب في سرعة:
- لا يا حبيبتي.. أنا واثق فيكي، وبعدين أنا عندي ميعاد مهم، روّحي أنتي..
أومأت برأسها في طاعة، ثم طبعت قبلة حانية علي خده ومنحته ابتسامة واسعة أذابت كل شكوكه عما إذا كانت سامحته أم لا، قبل أن تستدير وتأخذ طريقها وهو يتابعها بعينيه إلي أن ركبت سيارة أجرة، وأنطلق خارجا بعد أن ذهبت السيارة.
وعلي بعد شارعين، توقفت السيارة الأجرة، ونزلت منها الفتاة وهي تمنح السائق بقشيشا سخيا، ثم استدارت إلي حيث سيارة فارهة تبدو بلونها الأسود وزجاجها الأسود العاكس كشبح علي جانب الطريق، وفتحت بابها الأمامي ودفعت بنفسها داخلها.. وانطلقت السيارة وكأنما كان سائقها في انتظارها..
وهناك بجوار ذلك المقهى، وقف يلتقط أنفاسه، ويؤنب نفسه علي سقوطه في هاوية الشائعات، وعن من؟؟، عن أقرب الناس إليه، عن المثال الحي في الكرة الأرضية التي تستحق أن تلقب بالـ...
قاطعت أفكاره صوت سيارة فارهة مسرعة غطى زجاجها الأسود العاكس عمن بداخلها، وانطلقت من داخلها ضحكة أنثوية ماجنة، قبل أن تغيب السيارة بنفس سرعة ظهورها.. فهز رأسه وهو يبتسم متمتا:
- عاهرة!!..
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








